جدتي

كتب/ أحمد حمدي

 

فى هذا الزمن الصعب الملئ بالتحديات و الصراعات المتشابكه و اللهث وراء لقمة العيش و الصراع على المناصب و ضياع الهوية و التقاتل على عدم .

تجد نفسك فى خضم كل تلك الأمواج المتلاطمة العالية و التى تقذف بك لترتطم بصخور الحياة و التى لولا صمودك لحطمت روحك قبل عظامك ، تستدعى من ذاكرتك قسمات وملامح وجوه كان لها بالغ الأثر فى حياتك ، فى فكرك ، فى فلسفتك و فى نهجك ، ليهونوا عليك تلك الدروب المتعرجة التى تحاول أن تسير فيها مستقيما بقدر المستطاع ، و لكننا لا ندرك هذا الأثر للأسف إلا عندما يرحلون تاركين ذكرى عطرة هى دليلك فى الحياة، من ضمن هذه الوجوه جدتى “أم أمى” السيدة الفاضلة عائشة حسين..
هى إبنة القاضى الشرعى حسين عيسى و الذى كان يؤمن إيمانا جميلا بأهمية البنات فى مجتمع لا يرفع رأسه إلا إذا أنجب الذكور ، مّن الله عليه بثلاث بنات سعى إلى تعليمهم و لكن وافته المنية و هو فى الثانية و الثلاثين من عمره فأكملت زوجته الرسالة، تزوجت الأخت الكبرى و إلتحقت الوسطى بكلية الطب و أكملت دراستها فى لندن أما جدتى فألتحقت بكلية التربية قسم اللغة الإانجليزية ثم سافرت إلى روما لتحصل على رسالة الماجستير فى تربية الأطفال ، و إنخرطت بعدها فى سلك التربية و التعليم حتى وصلت لمنصب وكيل وزارةالتربية و التعليم، كان لجدتى شخصية حازمة قوية ، لكنها نبع حنان و كرم.

 

كنا نتسابق صغارا فى الذهاب إليها لنستمع إلى حواديت و قصص ترويها لنا بكل المؤثرات الصوتية، كانت تمتلك مكتبة ضخمة مقسمة حسب كل مجال، فهى كانت قارئة مهمة، و كان على من أراد منا أن يستمع إلى قصة جديدة أن يختار كتاب من مكتبتها، فتبدأ تروى لنا و كأنها راوية من ألف ليلة و ليلة ، تلجأ إلى كل المؤثرات الصوتية فنسمع الحكاية و كأننا نراها، كان والدى يخاف علينا كثيرا و يريدنا دائما تحت ناظريه ، لكنها أصرت أن نمارس جميعا الرياضة و كانت تحضر بنفسها معنا التمارين حتى يطمئن قلب والدى الذى كان يحترمها و يجلها و يثق فيها ثقة متناهية، كانت مؤمنة أن الفنون هى تهذيب للروح فكنا نحضر معها حفلات البالية و الموسيقى العربية و نذهب يوم الجمعة صباحا إلى سينما مترو.

و عندما كنا ننجح دراسيا تصطحبنا إلى وسط البلد لتشترى لنا ملابس مبهجة و نأكل معها الأيس كريم.

تعرضت جدتى لأصعب محنة و إختبار يمكن أن تتعرض لها أم فقدت أصغر أبنائها فى حادثة سيارة يوم تخرجه من الجامعة، و كانت تلك هى الضربة القاضية، لكنها تماسكت و أرادت أن تثأر لابنها بعد أن تركوه ينزف فى إحدى المستشفيات الكبرى حتى الموت، أختصمت المستشفى فى المحكمة و ظلت تتابع القضية لمدة عشر سنوات دون أن تفوت جلسة واحدة، إلى أن خسرتها فأدركت أن رسالتها فى الحياة إنتهت فأسلمت الروح،
عندما كان يلجأ لها أحدا لطلب المساعدة كانت تسأل هل لديه أطفال؟؟ هل ألحقهم بالتعليم؟؟ و عندما يجيب بالنفى كانت تتولى هى تعليمهم القراءة و الكتابة ثم تلحقهم بالمستوى التعليمى المناسب، فالتعليم بالنسبة لها هو أفضل الأعمال الخيرية التى يمكن أن تقوم بها لأجل البشرية، أسعد كثيرا عندما يقولون لأمى أنها تشبها فى الروح و الشكل.. لقد تركت فيا أثرا بالغا و بصمة عميقة و ذكرى لا تمحى ليس أنا فقط بل لكل من عرفها و أقترب منها، رحم الله جدتى و رحم كل من أثرى حياة البشرية.

الكاتب alaa mosaad

alaa mosaad

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة